التطبير في عاشوراء

نظراً إلى فظاعة حدث استشهاد الحسين (عليه السلام) وما نزل به وبأهله وأصحابه وما تبعه من سبي لبنات الرسالة، ظهرت مجموعة من العادات بعنوان الشعائر الحسينية للتعبير عن شدة الحزن كالبكاء واللطم وضرب السلاسل، ومن بينها «التطبير» بمعنى شج الرأس بالسيف لغرض الإدماء وسيلان الدم.
من الصعب تحديد الفترة الزمنية التي مارس الشيعة فيها التطبير، إلا أن البعض يُعزيها إلى الدولة البويهية وتحديداً معز الدولة البويهي (915 ميلادية – 967 ميلادية) كعادة طارئة دخلت على المذهب في العصور المتأخرة. يسوق مؤيدو هذا الرأي تبريرين: الأول أن العنوان «تطبير» فارسية الأصل، فأصلها طَبَرزَدْ بمعنى ضرب الفأس. التبرير الثاني عدم ورودها أو التعرض إليها في كتب العلماء الشيعة الأوائل كالشيخ الطوسي والشيخ المفيد والعلامة الحلي ممن سبقوا هذا التاريخ بقرون.
عند النظر إلى الرأي الفقهي الشيعي في ما يتعلق بالتطبير نجد أن العلماء ينقسمون إلى ثلاثة آراء: فهناك من يقول باستحباب إقامتها ويأتي على رأسهم المرجع الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي المتوفى قريباً. ومنهم من يتبنى رأياً تقليدياً عن الموضوع ويقول بأصالة الحلية، بمعنى أن كل شيء مباح ما لم يُلحق أذىً بالنفس أو بالدين والعقيدة، بما أنه لا يوجد نص صريح بخلافه. من أبرز القائلين بهذا الرأي زعيما الحوزة النجفية السيد الخوئي والسيد السيستاني. أما المدرسة الأخيرة فلها رأي واضح بتحريم التطبير، ويذهب إلى هذا الرأي عدد من العلماء كالمرحوم السيد محسن الأمين والسيد الخامنئي والشيخ فاضل اللنكراني والسيد كاظم الحائري والسيد محمد حسين فضل الله إلى جانب غيرهم من العلماء.
إذاً ما هو محل اتفاق عند جميع المدارس الشيعية أن التطبير يدخل ضمن الباب الثانوي، والجميع يقر بعدم ورود نص صريح للمسألة، مما يعني أن المسألة لم تأخذ صيغة الحسم، ومن ثم يدور الرأي الفقهي فيها عن الآثار المترتبة على التطبير. وعليه نطرح السؤال: ما هو أثر التطبير اليوم؟ لا شك بأن صور التطبير أصبحت علامة مميزة للإعلام المضاد للثورة الحسينية. ولهذا ترى الصحف وقنوات التلفاز تتقاتل على نشر وبث صور الدماء والسيوف على صدر الأخبار بغرض اختزال وتحجيم الثورة الحسينية إلى هذا السقف.
مما سبق نستخلص أمرين: الأول ثانوية الحكم، بمعنى إعادة تقييم المسألة بالنظر إلى مقدار الضرر والتشويه المتعمد للمذهب من قبل الإعلام المضاد، مما يُدخل بالتالي أصحاب الرأي التقليدي إلى دائرة المنع. والأمر الآخر هو ما يتعلق بالتمييز بين المبدأ وطريقة التعبير عنه. فإقامة وإحياء الشعائر الحسينية تُعد من المبادئ المهمة والرئيسية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) حتى تظل المُثُل التي انطلقت منها حركة الحسين (عليهم) حاضرة في عقول وقلوب الناس، ولكن أسلوب التعبير عن هذه الشعائر قد يتغير طبقاً للظروف الزمانية والمكانية.